فصل: مسألة يبضع بالبضاعة يشتري له بها ثم يريد أن يبيع مرابحة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يبضع بالبضاعة يشتري له بها ثم يريد أن يبيع مرابحة:

وسئل مالك عن الرجل يبضع بالبضاعة يشتري له بها ثم يريد أن يبيع مرابحة، أعليه أن يبين ذلك إذا باع مرابحة؟ فقال: أرأيت كل من ابتاع شيئا أهو الذي يشتري لنفسه؟ لا أرى ذلك عليه إذا كان أمرا صحيحا لا دخل فيه.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى سلعة مرابحة للعشرة أحد عشر وكان أصل اشتراء السلعة مائة دينار:

من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب استأذن سيده في تدبير جاريته قال عيسى: سألت ابن القاسم عن رجل اشترى سلعة مرابحة للعشرة أحد عشر، وكان أصل اشتراء السلعة مائة دينار فصارت مائة وعشرة، فالربح للعشرة أحد عشر، ثم إن بائعها مرابحة استوضع صاحبه فوضع عنه عشرة دنانير، قال: إن شاء بائعها رد عليه العشرة التي وضعت له وثبت البيع؛ لأن السلعة قد صارت بتسعة وتسعين حين وضع عنه عشرة صار رأس ماله تسعين والربح تسعة، للعشرة أحد عشر، فإن أبى أن يرد عليه أحد عشر، وقال: لا أرد عليه شيئا ولو كنت أعلم أن صاحبي يضع عني عشرة لم أرض أن أبيعها للعشرة أحد عشر، قيل للمشتري: إن شئت فأمسك ولا شيء لك، وإن شئت فرد السلعة وخذ رأس مالك دنانيرك، قلت: فإن كانت السلعة فاتت من يد المشتري؟ قال: يقال للبائع: رد الأحد عشر التي وضعت لك، فإن أبى وقال: لا أفعل ولم أكن أرضى أن أبيع سلعتي للعشرة أحد عشر لو علمت أن عشرة توضع عني، قيل له: فلابد إذا من القيمة فتقوم السلعة، فإن كانت قيمتها عشرة ومائة فلا شيء له، وان كانت قيمتها خمسة ومائة رد عليه خمسة، وإن كانت قيمتها مائة رد عليه عشرة، وإن كانت قيمتها تسعة وتسعين رد عليه أحد عشر، وإن كانت قيمتها أدنى من تسعة وتسعين ما كان ليرد عليه إلا أحد عشر؛ لأنه قد رضي أولا أن يأخذها للعشرة أحد عشر، وهو لو رد عليه في أول أحد عشر لزمه البيع ولم يكن عليه غيرها.
قال محمد بن رشد: قوله: إن وضع البائع عن المبتاع عشرة وما ينوبها من الربح لزمت المشتري، وإن أبى كان له أن يردها، وكذلك إن فاتت فأبى أن يضع عنه العشرة التي وضعت له وما ينوبها من الربح، وإلا كانت فيه القيمة إلا أن تكون أقل من تسعة وتسعين فلا ينقص المبتاع أكثر من أحد عشر، أو تكون أكثر من مائة وعشرة فلا يزاد، خلاف ظاهر ما في المدونة، لا يلزم البائع على ظاهر ما في المدونة أن يضع عن المبتاع إلا ما وضع عنه خاصة، وهو عشرة، فإن فعل لزم المبتاع البيع، فإن أبى كان له الرد، وإن فاتت وأبى البائع أن يضع عنه العشرة كانت فيها القيمة ما بين مائة وعشرة ومائة، ولا يزاد البائع على عشرة ومائة إن كانت القيمة أكثر، ولا ينقص المبتاع من مائة إن كانت القيمة أقل، وقد حكى ابن المواز القولين جميعا عن ابن القاسم واختار ما في المدونة، وقال: إن القول الآخر إغراق، وإياه اختار ابن سحنون عن أبيه، واختار ابن حبيب قوله في هذه الرواية، ولم يبين فيها متى تكون القيمة ولا بما تفوت السلعة، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أنها تفوت بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة الأسواق فما فوقه، وتكون فيها القيمة يوم القبض.
وقوله في رواية علي بن زياد عن مالك فيها: إنها تفوت بالنماء والنقصان، وتكون القيمة فيها يوم البيع، وهذا إذا كان الذي وضع عن البائع ما يحط مثله في البيوع، وأما إن حط عنه ما لا يحط في البيوع مثله فهي هبة له لا يلزمه فيها للمبتاع شيء، قاله في المدونة، ولا اختلاف في ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى جرار سمن أو زيت موازنة فوزنت له ثم أراد أن يبيعها مرابحة:

ومن كتاب العتق:
قال عيسى: سمعت ابن القاسم يقول: اشترى جرار سمن أو زيت موازنة فوزنت له ثم أراد أن يبيعها مرابحة أو غيرها قبل أن تفرغ وتوزن ظروفها فذلك حلال لا بأس به؛ لأن ضمانها منه، ولأنه قد قبضها ووزنها وزن قبض ليس في هذا شك، فإن انكسر منها ظرف فضمان ما فيه منه، إلا إن وزن الظروف بوزن فخارها فيطرح ذلك منه فلا بأس أن يبيعها مرابحة أو غيرها، وهي على الوزن في ذلك كله إن باعها يزنها للمشتري منه أيضا ذلك عليه إلا أن يكون بيعه على أن يأخذها بوزنها الأول ويصدقه في ذلك، وقال أصبغ عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: قوله: اشترى جرار سمن أو زيت موازنة معناه أنه اشترى سمن الجرار كل رطل بكذا، فهذا جائز مثل شراء الصبرة على الكيل كل قفيز بكذا، فإن شاء إذا اشترى سمن جرار على هذا أن يفرغ السمن ويزنه، وإن شاء أن يزنه بجراره ثم يزن الجرار فيطرح وزنها من وزن الجميع فيعلم بذلك وزن السمن كل ذلك جائز، وهو مثل ما في كتاب الغرر من المدونة.
وقوله: إنه إن وزن السمن بجراره على أن يزن الجرار فيطرح وزنها من وزن الجميع جاز أن يبيعه مرابحة أو غير مرابحة قبل أن يزن الظروف، يريد ولا يكون ذلك بيعا له قبل استيفائه؛ لأنه قد استوفاه بوزنه بظروفه وصار ضمانه منه.
وقوله: إن ضمانه منه وإن لم يعلم وزنه حتى توزن الظروف بعد ذلك يأتي على ما في سماع أبي زيد من كتاب جامع البيوع في الذي باع عشرة فدادين من قمح زمن زرعه وواجبه، فذهب إلى غد ليقيسه له فأصيب الزرع بنار فاحترق أن المصيبة منهما، وعلى ما روى ابن أبي أويس عن مالك في الذي يبتاع الزرع وقد استحصد مزارعة وهو قائم كذا وكذا ذراعا بدينار، وإنما يذارعه بعد أن يحصده، ثم يخلي بينه وبينه فتصيبه جائحة قبل أن يحصده أن المصيبة من المشتري، قال: وكذلك روايا الزيت يبتاعها الرجل وزنا فيفرغها حتى يزن الظرف بعد ذلك فيطرح وزنها من وزن الزيت بظروفه، وهو خلاف ما في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع في الذي يشتري الحائط على عدد نخل تعدله أو الدار على أدرع مسماة تدرع له أن ضمانها من البائع، وقعت هذه المسألة على نصها من هذا الرسم بعينها من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، وزاد فيها قال أصبغ: ويحلفان جميعا.
ومعنى قوله: إنه يحلف المشتري الأول والمشتري من المشتري إذا انكسرت الظروف عنده أن الظروف ظروف البائع إذا أنكرها، وقال: إنها ظروفه على ما في المدونة أنهما إن اختلفا في الظروف أن القول قول من كانت الظروف عنده، وإذا لم يفت السمن أعيد وزنه على المشتري إن كانت الظروف عند البائع، وعلى البائع إن كانت الظروف عند المشتري؛ لأن من كانت عنده الظروف منهما يقول: أنا مصدق أن هذه هي الظروف، فإن كنت تقول أنت إني ابتدلتها فأعد وزن السمن، فإن أعاد وزنه ثم انكشف أن الآخر كان أبدل الظروف رجع عليه بإجارة إعادة وزنه إن احتاج في ذلك إلى استئجار؛ لأنه أوجب عليه ببدل الظروف ما لم يكن واجبا عليه.
وقوله: إنها على الوزن في ذلك كله صحيح؛ لأن من اشترى طعاما فاكتاله أو وزنه فباعه فعليه أن يكيله على المشتري أو يزنه، إلا أن يصدقه في كيله أو وزنه، فيجوز ذلك إن باعه بالنقد ولم يبعه بالدين، قاله في كتاب بيوع الآجال من المدونة. فإن أراد أن يرجع إلى الكيل بعد أن اشتراه على التصديق لم يكن ذلك له، واختلف إن اشتراه على التصديق هل يبيعه على التصديق أو على الكيل؟ حكى الاختلاف في ذلك ابن حبيب، وقد مضى القول على ذلك في هذا الرسم من كتاب جامع البيوع بما يغني عن إعادته، ولو اشترى السمن أو الزيت وظروفه معه في الوزن جاز ذلك في الزقاق ولم يجز في الجرار؛ لأنها قد تختلف في الرقة والخشانة اختلافا متباينا، قاله في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.

.مسألة ما يشترى من جميع الأشياء مما لا يوزن أو يكال فيباع بعضه مرابحة:

ومن كتاب حبل حبلة:
قال ابن القاسم: ما اشتريت من جميع الأشياء مما لا يوزن أو يكال فبعت بعضه فلا تبع ما بقي منه ولا جزءا مما بقي منه مرابحة حتى تبين أنك قد بعت منه، فإن لم تفعل وبعت مرابحة وكتمت للمشتري أنك قد بعت منه كان بيعا مردودا يرده إن أحب، وإن فات كانت فيه القيمة، وما اشتريت من جميع الأشياء مما يكال أو يوزن من الطعام أو غيره كيلا أو وزنا فبعت بعضه فلا بأس أن تبيع ما بقي مرابحة ولا تبين أنك قد بعت منه شيئا وليس عليك أن تبين.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إذا اشترى ما لا يكال ولا يوزن فباع بعضه إنه لا يجوز له أن يبيع الباقي مرابحة حتى يبين صحيح؛ لأنه في معنى من اشترى سلعتين في صفقة واحدة، أنه لا يجوز له أن يبيع إحداهما بما ينويها من الثمن إلا أن بين، وقد مضى ذلك في سماع أشهب فلا معنى لإعادة القول فيه، وأما قوله: إن من اشترى ما يكال أو يوزن فباع بعضه إنه لا بأس أن يبيع ما بقي مرابحة ولا يبين، فهو مثل ما في المدونة، وعلى ما ذهب إليه ابن عبدوس من أن الجملة قد يزاد فيها لا يجوز بيع الباقي أيضا إلا أن يبين، وبالله التوفيق.

.مسألة يستولي الرجل السلعة فيقول قد وليتك على دينارين فيعطيه دينارين ويأخذ السلعة:

ومن كتاب باع شاة:
وسألته: عن الرجل يستولي الرجل السلعة فيقول: قد وليتك فيقول كم رأس مالك؟ فيقول ديناران فيعطيه دينارين ويأخذ السلعة، ثم يعثر عليه أنه ما أخذها إلا بدينار وقد فاتت السلعة أو لم تفت، أو قال له: قد وليتكها بدينارين، أذلك كله سواء، افترق الكلام فيه أو لم يفترق؟ أو الرجل يبيع مرابحة فيزيد في رأس ماله أو يقول: أبيعك كما بعت فلانا فيبيعه على ذلك فيجده قد كذب وقد فاتت السلعة أو لم تفت؟ قال ابن القاسم: إن لم تفت السلعة فهو بالخيار إن شاء حبسها بالدينارين وإن شاء ردها وإن فاتت نظر إلى قيمتها، فإن كانت قيمتها أدنى من دينارين رد عليه ما بين قيمتها والدينارين، وإن كانت قيمتها دينارين فأكثر فلا شيء عليه، وسواء قال: وليتك ثم سأله بعد ذلك عن رأس ماله فأخبره أو قال له: قد وليتك بدينارين في كلمة واحدة، والكذب وبيع المرابحة كله سواء مثل هذا من أجل أنه لو قال: قد وليتك وقد وجبت عليك لم يحل ولم تلزمه التولية حتى يخبره برأس ماله ويرضى، فإنما كان البيع والوجوب حين أخبره برأس ماله، فسواء عليه قدم القول أو آخر.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، لا فرق بين أن يبيع السلعة مرابحة على أكثر من شرائها، أو يوليها على أكثر من شرائها، أو يقول: أبيعك كما بعت فلانا فيبيعه بأكثر من ذلك، إن الحكم في ذلك كله حكم من زاد في الثمن في بيع المرابحة بخطإ أو عمد، إن كانت السلعة قائمة كان المشتري بالخيار بين أن يرد أو يمسك إلا أن يحط عنه البائع الكذب وما ينوبه من الربح في المرابحة، أو ما زاد على الثمن في التولية، أو ما زاد على ما كان باع به من فلان، فيلزمه البيع؛ فإن فاتت أو أبى أن يحط ذلك كانت فيها القيمة ما بين الأمرين، لا يزاد البائع على ما باع ولا ينقص المبتاع من الثمن الصحيح، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى طعاما بعينه غائبا عنه غيبة قريبة:

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم، من كتاب الصلاة قال يحيى: قال ابن القاسم: لا يجوز للرجل إذا اشترى طعاما بعينه غائبا عنه غيبة قريبة أن يولي منه آخر، وإنما تجوز التولية في الطعام الحاضر يراه المولي أو من تسليف مضمون إلى أجل. قلت له: أرأيت إن كان المتولي قد رأى الطعام الغائب كما رآه المشتري المولي أو وصف له كما وصف للمشتري، أذلك عندك في الكراهة مثل الذي لم يره ولم يوصف له إلا أنه يتولاه من المشتري على معرفة المشتري به؟ قال: ذلك عندنا سواء، لا تجوز التولية من الطعام الغائب.
قال محمد بن رشد: إنما لم تجز التولية في الطعام الغائب المشترى في الصفة لاختلاف الذمم؛ لأن المشتري لم ينقد؛ إذ لا يجوز له النقد لغيبة الطعام؛ لأن معنى قوله غيبة قريبة مما لا يجوز النقد فيه.
وكذلك ذكر ابن حبيب في الواضحة أنه لا يجوز التولية إذا كانت غيبة بعيدة لا يصلح فيها النقد، أو يكون إنما تكلم في هذه الرواية على أن النقد لا يجوز في الغائب وإن قربت غيبته، وهذا التأويل أشبه بظاهر الكتاب، ثم لما ولاه رجلا لم ينتقد الثمن، والاختلاف الذي في مسألة من اشترى طعاما بثمن إلى أجل فولاه رجلا قبل استيفائه داخل في هذه المسألة، والله أعلم، وقد وقع في التفسير الأول.

.مسألة تولية الطعام الغائب الذي اشتري بعينه:

قال: وسألت ابن القاسم عما كره مالك من تولية الطعام الغائب الذي اشتري بعينه لم كرهه؟ فقال: لأن الدين بالدين يدخله، ألا ترى أنه قد وجب للمشتري وصار أحق به من البائع إن سلم، فهو بمنزلة دين له قد وجب، فإذا ولاه رجلا لم يجز النقد فيه؛ لأنه غائب بعينه، واشتراء الغائب لا يصلح فيه النقد، فإذا صار يبيع غائبا قد وجب له بثمن لا يتعجل قبضه فقد صار بيعهما دينا بدين، قال: وكذلك لو استقال منه يدخله الدين بالدين؛ لأنه قد وضع عن نفسه ثمنا قد وجب عليه بسلعة قد وجبت له غائبة لم يقبضها، فإذا لم يجز له أن يقبل منه ودخله الدين بالدين، فالتولية أحرى أن يدخلها الدين بالدين، وكذلك البيع قال فلا يجوز بين البائع والمشتري في ذلك إقالة ولا بيع في العروض ولا في الطعام لما يدخله من الدين بالدين وبيع الطعام قبل أن يستوفى في الطعام؛ قال: ولا بأس في العروض أن يبيعها المشتري أو يوليها أو يشرك فيها، وإنما يكره ذلك في الطعام لما يدخله من بيع الطعام قبل أن يستوفى.
قال محمد بن رشد: هذا الذي وقع في التفسير متناقض غير صحيح: قال أولا: إن تولية الطعام الغائب المشترى على الصفة يدخله الدين بالدين من أجل أن الطعام قد وجب للمشتري وهو غائب فصار دينا له باعه من الذي ولاه إياه بدين، إذا لم ينتقد من أجل أن النقد لا يجوز فيه؛ لأنه غائب.
ولو كان هذا دينا بدين لكان بيع الرجل سلعته الغائبة دينا بدين، فلم يجز بيع الشيء الغائب الذي لا يجوز النقد فيه بحال، ولو كان دينا بدين لوجب ألا يجوز ذلك في العروض، وقد أجاز ذلك فيها في آخر قوله، وأجاز فيها الشركة والبيع أيضا، قال: وإنما لم يجز ذلك في الطعام لما يدخله من بيع الطعام قبل أن يستوفى، وهذا تناقض بيّن لا خفاء فيه: قال أولا: إنه يدخله الدين بالدين، وقال آخرا: إنه لا يدخله إلا بيع الطعام قبل أن يستوفى، ولا يتصور دخول بيع الطعام قبل أن يستوفى فيها إلا على الوجه الذي ذكرناه من اختلاف الذمم، وقوله: إذا لم تجز الإقالة فأحرى ألا تجوز التولية وَهْمٌ بَيِّن؛ لأن الإقالة يدخلها فسخ الدين بالدين من أجل أن الثمن قد وجب للبائع على المبتاع إن كانت السلعة سليمة يوم البيع، فإذا أقاله منها فقد قبض البائع فيما وجب له على المبتاع من الثمن سلعة غائبة لم يتنجز قبضها، وهذا بيّن لا إشكال فيه على القول بأن السلعة الغائبة تدخل في ضمان المشتري بالعقد إن كانت سليمة يوم وقوعه، وأما على القول بأنها في ضمان البائع حتى يقبضها المبتاع، فسحنون يجيز الإقالة فيها؛ لأن البائع لم يتحول من الثمن الذي وجب له على المبتاع إلا إلى سلعة هي في ضمانه بعد، فقد تنجز قبضها، وابن القاسم لا يجيز ذلك؛ إذ ليس في ضمانه باتفاق، فهو يراعي في ذلك الاختلاف، والتولية لا يدخلها شيء من ذلك؛ لأنها إنما هي بيع من غير الذي اشترى منه بالثمن الذي اشترى به، فكما يجوز له أن يبيع العرض الغائب من غير الذي اشتراه منه قبل أن يقبضه، فكذلك يجوز له أن يولي الطعام الغائب قبل أن يقبضه إذا انتقد من الذي ولاه مثل ما نقد، فلا وجه لما كره مالك من تولية الطعام الغائب سوى ما ذكرناه، وبالله التوفيق.

.مسألة أراد أن يشتري سلعة مرابحة:

من نوازل سئل عنها سحنون وسئل سحنون عن رجل أراد أن يشتري سلعة مرابحة، فقال للبائع: بكم اشتريتها؟ فقال: اشتريتها بستة عشر، ولم يقل: قامت علي، وإنما كان اشتراها بثمانية، وصبغها بثمانية، ثم علم بذلك المشتري، فقال: إن كانت السلعة لم تفت، فإن المشتري بالخيار أن يأخذها ويضرب له الربح على ستة عشر فيها وبين أن يردها، فإن كانت قد فاتت فلابد من أن يضرب له الربح على ستة عشر درهما.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة لم يجر فيها سحنون على أصل؛ لأنه إذا أوجب عليه أن يبين ذلك ورآه إن لم يفعل غاشا من أجل أن السلعة قد تشترى مقامة تامة بما لا تقام به، فأوجب للمبتاع الخيار بين الرد والإمساك في القيام، وجب على قياس ذلك إذا فاتت السلعة أن يرد المبتاع فيها إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن. وفي قوله: ولم يقل: قامت علي؛ دليل على أنه لو قال قامت علي لم يكن للمشتري حجة وعمل فيه على ما يجب من ألا يحسب رأسا أو يحسب ولا يحسب له ربح، أو يحسب ويحسب له ربح على ما في كتاب ابن المواز، والصواب أن العقد يكون فاسدا إذا أبهم ولم يبين، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى بدينار قائم قمحا فلما وجب البيع لم يجد إلا دينارا ناقصا:

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب الوصايا والأقضية قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: وسئل مالك عن رجل اشترى بدينار قائم قمحا، فلما وجب البيع لم يجد إلا دينارا ناقصا، فأراد أن يضع بقدر النقصان، ويأخذ منه دينارا ناقصا، فكره ذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت في مواضع من كتاب الصرف، قال فيها في رسم القبلة، من سماع ابن القاسم: لا ينبغي ذلك، وقال في رسم المحرم منه: لا خير في ذلك، وقال في رسم إن خرجت، من سماع عيسى: هذا حرام لا خير فيه، وقال هاهنا: أكره ذلك، والمكروه فيها بين، وقد يتجوز في العبارة فيعبر عما لا يجوز، والتحريم فيه بين بالكراهة. وقال ابن حبيب: إنه يدخل ذلك أربعة أوجه: التفاضل بين الذهبين، والتفاضل بين الطعامين، وبيع الطعام قبل أن يستوفى، والأخذ من ثمن الطعام طعاما، يريد إن كان الطعام قد قبضه المبتاع وافترقا.
وأما إن قبضه ولم يفترقا فلا يدخله الأخذ من ثمن الطعام طعاما، ولا بيع الطعام قبل أن يستوفى. والعلتان الثابتتان إنما هو التفاضل بين الذهبين وبين الطعامين، وأما الاقتضاء من ثمن الطعام طعاما، والبيع قبل الاستيفاء، فلا يجتمعان؛ لأن الطعام إن كان قبض، فلا يدخله البيع قبل الاستيفاء، وإن كان لم يقبض، فلا يدخله الاقتضاء من ثمن الطعام طعاما، وإن كان قد قبض ولم يفترقا فلا يدخله واحدة منهما، وقد ذكرنا ذلك كله في رسم القبلة، من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف، بزيادات تتعلق بالمسألة لمن أحب الوقوف عليها، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى من عبده جارية هل يبيعها مرابحة:

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم في رجل اشترى من عبده جارية، أترى أن يبيعها مرابحة؟ قال: إن كان العبد يعمل بمال نفسه فلا بأس به، وإن كان يعمل بمال سيده، فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان العبد يعمل بمال سيده، فبين أنه لا يجوز له أن يبيعها مرابحة؛ لأن شراءها منه ليس بشراء، فهو كمن ورث سلعة، ثم باعها مرابحة بثمن سماه فيها، فإن فعل ذلك وكانت السلعة قائمة خُير المشتري بين الرد أو التماسك، وإن فاتت رد فيها إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن؛ لأنه غش وخديعة في البيع، وأما إذا كان العبد يعمل بمال نفسه فقال: إنه لا بأس أن يبيعها مرابحة على أصل المذهب في أن العبد يملك، وفي ذلك نظر؛ لأنه لا يملك ملكا مستقرا، ولسيده انتزاع ماله إذا شاء، فقد لا يبالي السيد بما يشتري منه الجارية من أجل أن له أن ينتزع منه ماله متى شاء، فكان الأظهر أن يكون عليه أن يبين، والله أعلم.

.مسألة قامت عليه سلعة بعشرة فقال له أربحك فيها دينارا قال لا إلا أن تشرك فلانا:

وسئل ابن القاسم عن رجل قامت عليه سلعة بعشرة دنانير فقال له رجل: أربحك فيها دينارا، قال: لا إلا أن تشرك فلانا يكون معك فيها شريكا، كم يأخذ من هذا؟ قال: يأخذ من كل واحد منهما خمسة ونصفا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه لما شرط عليه أن يشركه قبل البيع فكأنه إنما باع منهما جميعا، فيأخذ من كل واحد منها نصف الثمن.
تم كتاب المرابحة والحمد لله.

.كتاب بيع الخيار:

.يشتري منه ثوبا ثم يشتري من رجل آخر ثوبا ثم يشترط عليهما:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم من سماع ابن القاسم من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال في الرجل يشتري من الرجل ثوبا، ثم يشتري من رجل آخر ثوبا، ثم يشترط عليهما أن ينظر منهما فينقلب بثوبيهما فيخلطهما، فلا يعرف ثوب هذا من ثوب هذا، وينكر أحدهما أو كلاهما، قال: أرى أن يلزماه بالثمن إلا أن يعرف ثوب كل واحد منهما بعينه، فيحلف ويرده، أو يعرفه غيره.
قال محمد بن رشد: قوله: وينكر أحدهما؛ معناه أن يقول أحدهما: ليس ثوبي واحدا من هذين الثوبين، ويدعي الآخر أحدهما، وقوله: أو كلاهما؛ معناه أن يقول كل واحد منهما: ليس ثوبي واحدا من هذين الثوبين اللذين جئت بهما. فأما إذا أنكر كل واحد منهما أن يكون له واحد من هذين الثوبين، فعليه أجاب بقوله: أرى أن يلزماه بالثمن، يريد بعد أن يحلف كل واحد منهما أن ثوبه ليس واحدا من هذين الثوبين، فإن حلفا أخذ الثوبين وأدى إلى كل واحد منهما الثمن الذي أخذ به ثوبه، وإن نكلا عن اليمين حلف هو أن الثوبين هما اللذان أخذ منها إلا أنه لا يعرف أيهما لهذا، ولا أيهما لهذا، وبرئ لهما من الثوبين، فكانا فيهما شريكين بقدر أثمان ثيابهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين، دفع إلى الذي حلف الثمن الذي أخذ به ثوبه، وحلف أن هذين الثوبين هما اللذان أخذ منهما، وقيل للذي نكل عن اليمين: ليس لك إلا أن تأخذ أيهما شئت.
وأما إذا أنكر أحدهما أن يكون ثوبه واحدا من هذين الثوبين، وادعى الآخر أحدهما، فلم يجب في الرواية على ذلك، والجواب في ذلك أن يغرم للذي أنكر الثمن الذي أخذ به ثوبه، ويأخذ الذي ادعى أحد الثوبين الثوب الذي ادعاه، ولا يمين على واحد منهم.
هذا تمام جواب ما وقع عنه في المسألة، وسيأتي في رسم يشتري الدور والمزارع، من سماع يحيى إذا تداعيا جميعا في أحدهما، وأما إن قال كل واحد منهما: لا أدري أيهما ثوبي؛ لأنك خلطتهما، فيحلف كل واحد منهما أنه ما يدري أيهما ثوبه، ويأخذ منه الثمن الذي دفع إليه به ثوبه، وأما إن قال أحدهما: هذا ثوبي لأحدهما، وقال الآخر: لا أدري أيهما ثوبي، أخذ الذي عرف ثوبه ثوبه، وحلف الآخر أنه لا يدري أيهما ثوبه، وأخذ منه الثمن الذي دفعه به إليه، وبالله التوفيق.

.مسألة يأتي البزاز في ابتياع ثوب بدينار:

من سماع عيسى بن دينار من كتاب العرية قال عيسى: وسألته عن الذي يأتي البزاز في ابتياع ثوب بدينار، فيخرج إليه ثيابا، فيأخذ ثوبين؛ كلاهما بدينار دينار، فيقول البزاز: اذهب بهما وقد وجب عليك أحدهما، فيذهب بهما فيضيع الثوب الواحد، ويزعم أنه قد كان اختار هذا الباقي ورضيه، أو قال: لم أكن اخترت شيئا. قال: إن قال: قد كنت اخترت هذا الباقي ورضيته، أحلف بالله على ما قال، وسقط عنه ضمان الذاهب؛
لأنه كان أمينا.
وإن قال: لم أكن اخترت شيئا؛ فإنه يتهم ولا يقبل قوله، فأرى أن يغرم نصف الثوب الذاهب؛ لأنه لو ذهب الثوبان جميعا، وادعى أنه لم يختر؛ لم يصدق، وكان ضامنا لنصف كل ثوب؛ لأنه كان أمينا في نصف كل ثوب؛ فكل من اشترى على أن يستشير، أو على أنه بالخيار، فغاب عليه، فذهب فهو ضامن، قلت: فلو كان أخذ ثوبين بيعا حراما أحدهما بدينار، والآخر بدينارين، قد وجب عليه أحدهما، فضاع أحد الثوبين، قال: العمل فيهما أيضا كذلك؛ لأن كل من اشترى بيعا حراما فهو ضامن له حتى يرده، إنما يضمن في ذلك أيضا واحدا.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم فيمن أخذ ثوبين على أن يختار أحدهما، قد وجب عليه بثمن سماه، ويرد الآخر أنه ضامن لأحدهما بالثمن الذي سماه إن تلفا جميعا قبل أن يختار أحدهما، وضامن لنصف التالف منهما إن تلف أحدهما قبل أن يختار أيضا، وسواء قامت بينة على ما تلف، أو لم تقم هو مصدق في ذلك؛ لأنه أخذ واحدا منهما على الشراء، والآخر على الأمانة، إلا أن يقر على نفسه أنه كان اختار الذي تلف، وإن أشهد أنه قد اختار أحدهما ثم تلف الآخر بعد ذلك، فلا ضمان عليه فيه.
وقول ابن القاسم في هذه الرواية: إنه مصدق مع يمينه؛ على أنه قد كان اختار هذا الثاني قبل تلف الآخر، هو مثل قوله وروايته عن مالك في الرجل يملك امرأته أمرها؛ فتقول: قضيت فيما ملكتني، ويناكرها ذلك: إن القول قولها خلاف قول أشهب، وقد ذكر في المدونة أنها نزلت فاختلف فيها أهل المدينة، ومن هذا المعنى هو تصديق المأمور فيما أمره به الآمر من إخلاء ذمته، أو تعمير ذمة الآمر، فذهب أشهب إلى أن المأمور لا يصدق في ذلك، وجوابه في مسألة المرأة تدعي أنها قضت فيما ملكت فيه على أصله.
واختلف قول ابن القاسم في ذلك، فجوابه في مسألة المرأة المملكة؛ تدعي القضاء، وفي هذه المسألة على أحد قوليه في هذا الأصل، من ذلك قوله في كتاب السلم الثاني، من المدونة، فيمن له على رجل طعام من سلم، فقال له: كله واجعله في غرائرك، أو في ناحية من بيتك، فقال: قد فعلت وضاع: إنه لا يصدق على أنه قد كاله، حتى يقيم البينة على ذلك؛ وقال فيمن كان له على رجل دين فقال: ابتع لي به حيوانا أو سلعة فقال: قد فعلت وتلف ذلك: إنه مصدق في ذلك، وذلك مثل قوله في مسألة اللؤلؤ، من كتاب الوكالات من المدونة، ومثل قوله في مسألة الرسول، من كتاب الرواحل والدواب، ومثل قوله في مسألة البنيان، من آخر كتاب الدور خلاف قول أشهب فيهما.
وأما قوله: وإن قال: لم أكن اخترت شيئا، فإنه يتهم ولا يقبل قوله، فأرى أن يغرم نصف الثوب الذاهب؛ لأنه لو ذهب الثوبان جميعا وادعى أنه لم يختر لم يصدق، وكان ضامنا لنصف ثوب كل واحد منهما؛ لأنه كان أمينا في نصف كل ثوب، فإنه وهم منه؛ لأنه إنما يضمن الواحد إذا تلفا جميعا، ونصف التالف إن تلف أحدهما على مذهبه، من أجل أنه أخذ الثوب الواحد على الشراء والضمان، والآخر على الأمانة؛ فلا معنى للتهمة في هذا الموضع عنده، وإنما ذهب وهمه إلى مسألة الذي يشتري الثوب من الثوبين، على أن يختار أحدهما، وهو فيه بالخيار يردهما جميعا إن شاء، فهاهنا يضمن بالتهمة، ولا يصدق أن التلف كان بعد أن لم يختر واحدا منهما، وكان على صرفهما، ولو كان الضمان ساقطا عنه فيما تلف قبل أن يختار؛ لوجب أن يصدق في ذلك، وسقط عنه الضمان على قياس قوله في أنه يصدق إذا ادعى أنه قد كان اختار هذا الباقي، فهذا ما لا إشكال فيه.
وسحنون يذهب إلى أن ما تلف في هذه المسألة قبل الاختيار، وقامت على تلفه بينة، فالمصيبة فيه من البائع، بمنزلة الثوب المشترى بالخيار يضيع في أيام الخيار؛ لأنه جعل ذلك، وإن كان قد وجب على المبتاع أحدهما بمنزلة من اشترى شيئا على الكيل، فتلف قبل الكيل، يقوم ذلك من قوله في المدونة؛
ومعناه إن تلف الدينار لم يعلم إلا بقوله في مسألة الذي أخذ ثلاثة دنانير ليقتضي واحدا منها، ويرد الاثنين، فتلف أحدهما: إنهما شريكان، وسواء- على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك- علم تلف الدينار ببينة قامت على التلف، أو لم يعلم ذلك إلا بقوله، وبالله التوفيق.